فخر الدين الرازي
140
تفسير الرازي
أن كل ممكن لذاته فإنه لا بد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته ، وليس في هذه القضية تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد ، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله . وإذا كان كذلك امتنع يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح ، إذا عرفت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي : قوله : ولو كان كذلك لكان قوله : * ( سبحانك ) * تنزيها له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة وذلك باطل . قلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد : ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التركيب بل خلقته صلبا محكما ، وقوله : * ( سبحانك ) * معناه انك وان خلقت السماوات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن الاحتياج إليه والانتفاع به فيكون قوله : * ( سبحانك ) * معناه هذا . قوله ثانيا : إنما حسن وصل قوله : * ( فقنا عذاب النار ) * به إذا فسرناه بقولنا ، قلنا لا نسلم بل وجه النظم انه لما قال : * ( سبحانك ) * اعترف بكونه غنياً عن كل ما سواه ، فعندما وصفه بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال : * ( فقنا عذاب النار ) * وهذا الوجه في حسن النظم ان لم يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه ، وأما سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا ، ونحن نقول بموجبه ، وان أفعال الله كلها حكمة وصواب ، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه وملكه ، فكان حكمه صوابا على الاطلاق فهذا ما في هذه المناظرة والله أعلم . المسألة الخامسة : احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أنه سبحانه خلق هذه الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة ، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكان هذه البقعة الأرضية ، قالوا : لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ، وذلك رد للآية . قالوا : وليس لقائل أن يقول الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصانع المختار ، وذلك لأن كل واحد من كرات الهواء والماء يشارك الأفلاك والكواكب في هذا المعنى ، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة ، فيكون باطلا وهو خلاف هذا النص . أجاب المتكلمون عنه : بأن قالوا : لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسباباً على مجرى العادة لا على سبيل الحقيقة . أما قوله تعالى : * ( سبحانك ) * فقيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله في خلق السماوات